علي محطة قطار سقط عن الخريطة
محمود درويش (يضجر الذهب السماويُّ المنافقُ من صلابتهِ) وقفتُ علي المحطة.. لا لأنتظر القطارَ (كبرنا. كم كبرنا، والطريق الى السماء طويلةٌ) كان القطار يسير كالأفعى الوديعة من (الحياةُ بداهةٌ. وبيوتنا كقلوبنا مفتوحةُ الأبواب) كنا طيبين وسُذَّجاً. قلنا: البلادُ بلادُنا (كان حاضرنا يُرَبِّي القمح واليقطين قبل هنيهة، وقفتُ علي المحطة في الغروب: ألا تزال (صدَّقْتُ أغنيتي القديمةَ كي أكذّبَ واقعي) كان القطار سفينةً بريةً ترسو.. وتحملنا (كلُّ شيءٍ كان مختلفاً ومؤتلفاً) وقفتُ علي المحطة. كنت مهجوراً كغرفة حارس (أري أثري علي حجر، فأحسب انه قَمَري طللية أخرى وأُُهلك ذكرياتي في الوقوف (كدويّ أجراسٍ، هنا انكسر الزمان) وقفتُ في الستين من جرحي. وقفتُ علي (وقع الصدى مني ككوز صنوبرٍ) لا شيء يرشدني الى نفسي سوي حدسي. (للحقيقة، ههنا وجه وحيدٌ واحدٌ أنتَ أنتَ ولو خسرتَ. أنا وأنتَ اثنان (أقول لمن يراني عبر منظار علي بُرْجِ الحراسةِ: أري مكاني كُلَّهُ حولي. أراني في المكان بكل (ضيفاً على نفسي أحلُّ ) هناك موتي يوقدون النار حول قبورهم. (لا قطار هناك، لا أحد سينتظر القطار) بلادنا قَلْبُ الخريطة. قلبها المثقوبُ مثل القرش (سمائي فكرةٌ. والأرض منفايَ المُفَضَّلُ) كلُّ ما في الأمر إني لا اصدق غير حدسي.
(فلسطين)
عُشْبٌ، هواء يابس، شوك، وصبار
على سلك الحديد. هناك شكل الشيء
في عبثية اللاشكل يمضغ ظِلَّهُ...
عدم هناك موثق.. ومطوَّقٌ بنقيضه
ويمامتان تحلقان
علي سقيفة غرفة مهجورة عند المحطةِ
والمحطةُ مثل وشم ذاب في جسد المكان
هناك أيضا سروتان نحيلتان كإبرتين طويلتين
تطرّزان سحابة صفراء ليمونيّةً
وهناك سائحةٌ تصوّر مشهدين:
الأوّلَ، الشمسَ التي افترشتْ سرير البحرِ
والثاني، خُلوَّ المقعدِ الخشبيِّ من كيس المسافرِ
ولا عواطفيَ الخبيئةَ في جماليات شيء ما بعيدٍ،
بل لأعرف كيف جُنَّ البحرُ وانكسر المكانُ
كحجرة خزفية، ومتى ولدتُ وأين عشتُ،
وكيف هاجرتِ الطيورُ الى الجنوب أو الشمال.
ألا تزال بقيتي تكفي لينتصر الخياليُّ الخفيفُ
علي فساد الواقعيِّ؟ ألا تزال غزالتي حُبلَي؟
بلاد الشام حتى مصر. كان صفيرُهُ
يخفي ثُغاءَ الماعزِ المبحوحَ عن نهم الذئاب.
كأنه وقت خرافي لتدريب الذئاب علي صداقتنا.
وكان دخانه يعلو علي نار القرى المتفتّحات
الطالعات من الطبيعة كالشجيراتِ.
قلبُ الخريطة لن تصاب بأيَّ داءٍ خارجيٍّ.
والسماء كريمة معنا، ولا نتكلم الفصحى معاً
إلا لماماً: في مواعيد الصلاة، وفي ليالي القَدْر.
حاضُرنا يسامرنا: معاً نحيا، وماضينا يُسلّينا:
إذا احتجتم إليّ رجعتُ . كنا طيبين وحالمين
فلم نر الغدَ يسرق الماضي.. طريدَتَهُ، ويرحلُ
ويُرقِّصُ الوادي)
هنالك امرأتان في امرأة تُلَمِّعُ فَخْذَهَا بالبرق؟
أسطوريتان ـ عدوّتان ـ صديقتان، وتوأمان
علي سطوح الريح. واحدةٌ تغازلني. وثانيةٌ
تقاتلني؟ وهل كَسَرَ الدمُ المسفوكُ سيفاً
واحداً لأقول: إنّ إلهتي الأولي معي؟
الى مدن الخيال الواقعية كلما احتجنا الى
اللعب البريء مع المصائر. للنوافذ في القطار
مكانةُ السحريِّ في العاديِّ: يركض كل شيء.
تركض الأشجار والأفكار والأمواج والأبراج
تركض خلفنا. وروائح الليمون تركض. والهواء
وسائر الأشياء تركض، والحنين الى بعيد
غامضٍ، والقلب يركضُ.
الأوقات في تلك المحطة. كنتُ منهوباً يطل
على خزائنه ويسأل نفسه: هل كان ذاك
العقلُ / ذاك الكنزُ لي؟ هل كان هذا
اللازورديُّ المبلَّلُ بالرطوبة والندي الليليِّ لي؟
هل كنتُ في يوم من الأيام تلميذَ الفراشة
في الهشاشة والجسارة تارة، وزميلها في
الاستعارة تارة؟ هل كنت في يوم من الأيام
لي؟ هل تمرض الذكري معي وتُصابُ بالحمى؟
وأنشدُ واقفاً)
علي المحطة. لا أحب الآن هذا العشب،
هذا اليابس المنسيّ، هذا اليائس العبثيَّ،
يكتب سيرة النسيان في هذا المكان الزئبقيِّ.
ولا أحب الأقحوان علي قبور الأنبياء.
ولا أحب خلاص ذاتي بالمجاز، ولو أرادتني
الكمنجةُ أن أكون صدي لذاتي. لا أحب سوي
الرجوع الى حياتي، كي تكون نهايتي سرديةً لبدايتي.
المحطة، لا لأنتظر القطار ولا هتاف العائدين
من الجنوب الى السنابل، بل لأحفظ ساحل
الزيتون والليمون في تاريخ خارطتي. أهذا...
كل هذا للغياب وما تبقى من فُتات الغيب لي؟
هل مرَّ بي شبحي ولوّح من بعيد واختفي
وسألتُهُ: هل كلما ابتسم الغريبُ لنا وَحَيَّانا
ذبحنا للغريب غزالةً؟
تبيض يمامتان شريدتان رسائلَ المنفى علي كتفيَّ،
ثم تحلقان علي ارتفاع شاحب. وتمرُّ سائحةٌ
وتسألني: أيمكن أن أصوّركَ احتراماً للحقيقة؟
قلت: ما المعنى؟ فقالت لي: أيمكن أن أصوّرك
امتدادا للطبيعةِ؟ قلت: يمكنُ.. كل شيء ممكنٌ.
فَعِمِي مساءً، واتركيني الآن كي أخلو الى
الموت.. ونفسي!
ولذا.. سأنشد):
في الماضي، وفي الغد واحد. مَرَّ القطار
ولم نكن يَقِظَيْنِ، فانهض كاملاً متفائلاً،
لا تنتظر أحداً سواك هنا. هنا سقط القطار
عن الخريطة عند منتصف الطريق الساحليِّ.
وشبَّت النيرانُ في قلب الخريطة، ثم أطفأها
الشتاء وقد تأخر. كم كبرنا كم كبرنا
قبل عودتنا الى أسمائنا الأولي:
لا أراكَ، ولا أراكَ)
أعضائي وأسمائي. أري شجر النخيل ينقّح
الفصحى من الأخطاء في لغتي. أري عادات
زهر اللوز في تدريب أغنيتي علي فرح
فجائيٍّ . أرى أثري وأتبعه. أري ظلي
وأرفعه من الوادي بملقط شعر كنعانية
ثكلي. أري ما لا يُري من جاذبيةِ
ما يسيل من الجمال الكامل المتكامل الكُليِّ
في أبد التلال، ولا أرى قنّاصتي.
وهناك أحياء يُعِدّون العشاء لضيفهم.
وهناك ما يكفي من الكلمات كي يعلو المجاز
علي الوقائع. كلما اغتمَّ المكانُ أضاءه
قمر نُحاسيٌّ وَوَسَّعَهُ. أنا ضيف علي نفسي.
ستحرجني ضيافتها وتبهجني فأشرق بالكلام
وتشرق الكلمات بالدمع العصيّ. ويشرب الموتى
مع الأحياء نعناع الخلود، ولا يطيلون
الحديث عن القيامة
في سوق الحديد. وآخر الركاب من احدي
جهات الشام حتى مصر لم يرجع ليدفع أجرة
القناص عن عمل إضافيٍّ كما يتوقع الغرباء.
لم يرجع ولم يحمل شهادة موته وحياته معه
لكي يتبين الفقهاء في علم القيامة أين موقعه
من الفردوس. كم كنا ملائكة وحمقي حين
صدقنا البيارق والخيول، وحين آمنّا بأن جناح
نسر سوف يرفعنا الى الأعلى!
للبراهين الحوار المستحيلُ. لقصة التكوين
تأويلُ الفلاسفة الطويلُ. لفكرتي عن عالمي
خَلَلٌ يسبّبه الرحيل. لجرحي الأبديِّ محكمة
بلا قاض حياديٍّ. يقول لي القضاة المنهكون
من الحقيقة: كل ما في الأمر أن حوادث
الطرقات أمرٌ شائع. سقط القطار عن
الخريطة واحترقتَ بجمرة الماضي. وهذا لم
يكن غزواً!
ولكني أقول: وكل ما في الأمر إني
لا اصدّق غير حدسي.
.
.
الجمعة, 16 مايو, 2008
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.









و أنا لا أصدق غير حدسي أيضاً!!!!!!!!
أيمن