لا أستطيع التحديد أجدني مرحباً بي في أي كتاب
عن الشعر والادب
.
.

امرأة مرآتها صياد أعزل ... فراس سليمان محمد

1-
أن تشعل أصابعك المبللة بالماء
أليست هذه حكمة
أن تكتب قصيدة على زجاج الهواء
أليست هذه براعة
أن ترتكب جريمة وأنت وحيد
أليست هذه جرأة
أن تصدمك فكرة مسرعة
وأنت ذاهب إلى موعد غرامي
أليست هذه
كفى
أيها القراء الكلاسيون
أليست هذه قصيدة


-2-
حبيبي أسنانه بيضاء
وعظامه ناتئة
لا يتكلم ولا يقترب مني
حبيبي هذا
يربّي جثته في رأسي
وبكلمات جدّ دقيقة
أرتقه كي لا يتفسّخ


-3-
لا تحاولوا
لا
لن تستطيعوا
أن تخلعوا يد حبيبي
عن ركبتي
إنها كالمسيح
على الصليب


-4-
لتفترض
إنني أعرف جاك برفير
لنفترض
إنني أسكن أنا واميلي ديكسون
في غرفة واحدة
لنفترض إنني لا أحبّ أحداً
غير ذاك العجوز
الذي يأتيني مساء
وجيوبه ملآى بالفستق
وجسده ي ذ رف خوفاً وفلسفات
هل هذا جنون
لنفترض أيضاً إنني لا أكتب
هل سيتغير شيء
لنفترض...
آسفة
نسيت أبريق الشاي على النار


-5-
مساء الخير
أيها السفلة
ليتبرّع أحدكم
ويخلع يد أبي الخالدة
عن كتفي
والتي تصرخ
بأصابعها الخمس
كوني مهذبة يا ابنتي


-6-
أنا عاشقة ها.. ها...
يدي حول خصر الطبيعة
فمي يرتشف ساقية من العسل
شعري يتطاير
على القارات الخمس
روحي كغيمة ساحرة
تتشيطن في كهف الكلمة
بينما طيفي اللامع
بخبث لا يُحسد عليه
ينزع أزرار صديقي المؤجل


-7-
داخل المستطيل
ذي الأضلاع المجنّحة
أقصد
داخل قفص اللغة المفتوح
نهد معروق
تنزلق
عنه
أيقونة
محبوس فيها طير أبيض


-8-
لا داعي لهذه الكلمات الكبيرة
(أبدية - موت مشرئب - صهيل اللذة-)
يكفي أن أقول أنا
على صغر حجمي
هذا الكوكب
الذي يسمّى الأرض
سينفجر قريباً


-9-
رأيت في المنام
أنني عنزة وسط قطيع
عندما استيقظت
كانت أمي تقودني
لنرى الرجل الألف
الذي تقدّم لخطبتي
والذي سيعتذر
كالآخرين

-10-
لا فرق حقيقي
بين الملائكة والشياطين
بين الجغرافيا والتاريخ
بين الحياة والموت
يبن... وال.. الخ
مادام قلب فتاة مثلي
يحمل هذا الكم الهائل
من الحب والكراهية
لافرق بيني وبيني
وأنا أرقب هذه الغرفة
تتنصّل من البيت

-11-
لم أكن شاطرة في الصف
ولم ألفت انتباه أحد
ونحيلة جداً خجول
أحب الطبيعة والخيانة
وكيف قوس القزح
يؤلّف بين أقدام الطاولة
وكيف الكرسي غيمة طارئة
ومشهد العجائز العراة
في بحيرة عسل
تشرّعن أجسادهم
كتلُ الزمن الدبقة
هه... أنت
هل تتسع غابتك
لعصفور مخيلتي الصغير

-12-
أكتب هكذا
لا أريد أن أصبح عظيمة
ولا أن أخترع ما لم يُخترع
حسبي أبصق عندما أريد
وأحطّب أشيائي القليلة
في حقيبتي
خارجة من غرفة التاريخ
بسيطة وعمياء
صادقة من حيث لا أدري
ونصف حقيقية
لو شئتم

-13-
الذبابة
على كتف
الكرسي
أجمل
من بشكير
يانسيس ريتسوس

-14-
من الشيخ النفّري
إلى السيد نيتشه
مسافة صغيرة جداً
أقطعها بأصبعي
عندما أمرّره في الهواء
على شكل قوس
ومن هابيل البداية
إلى دون كيشوت المجنون
وقت قصير
أستطيع أن أقضيه
في تمشيط قارة أو اثنتين

-15-
أصابع طويلة
مثل بال المرايا
تصلح للبيانو
وشدّ آذان الأطفال
لأنهم سيكبرون
أصابع مكسورة
لأنها حاولت مسّ
لحية السيّد التاريخ

-16-
نهداي
حشرتان
تتنزهان في صدري
بإمكانك
أن تسحقهما
بكفّ أحزانك القاسية

-17-
حبيبي العدمي
لا يستطيع أن يحطّم
سوى جسده
وقلبي
لهذا
سأعلقه على قصائدي
نتفاً .. نتفاً

-18-
بغبطة وغرابة
كنا نتحدث عن الحرية
أمي كانت ترتق جورب
أخي الصغير
فجأة
ابتدأت الحرب
كل شيء صار أنقاضاً
ما عدا جورب أخي الصغير
بقي على حبل الغسيل
يرفرف مثل راية

-19-
من بين ضفائري
تطير العصافير
لا أحد يراها سواه
ذاك..
الذي وضعني
داخل هذا ( )

-20-
في حقيبتي علبة سجائر
وأشياء خاصة
حين فتحها الشرطي عنوة
تحطمت على رأسي
سماء صغيرة
ومن الركام الغامض
أطلّ ملاك أسود
وقلبَ شفتيه

-21-
صباحاً
وأنا
أرشّ فتات الخبز
للعصافير
تمنيت لو أموت
أيها الأصدقاء
أنا مغفلة
مثل حارس المقبرة

-22-
شيء ينفتح قبالتي
جسد يتوارى
خلف علامة مبهمة
أرض تنبض داخل فقاعة
كم أنا خائفة
يدي الصغيرة
تلمع في الماضي
يدي القصوى تنزف
يا له من رعب
يا لها من هشاشة
أنا الهادرة ... الهادئة
في زاوية غرفة نومي
ينكبّ عليّ الليل
مثل لطخة حبر
فأضطر أن أفكّر
في وقت واحد
بالله....
وبجسدي
وبضوء اللمبة
يا له من رعب
يا لها من هشاشة

-23-
بأيدينا نرتجل الطاولة, أوه.. هذا الهسيس
شيء مهترئ يتحطم
صوت ارتجاج الخلاء الساقط
دفعةً واحدة في جسد ما
الوحيدة المقوّسة تبعثر آباءها
وتقترف رجلاً من عسل
تتمخط رؤى.. وخيوطاً تشربك الهواء
بأيدينا نرتجل الطاولة موشاةً بالضحك.
الغبار يسعل على قفا المساء
من يسمع وقع الرئات على الأرض من..؟
قل أي شيء المعنى دائما موجود.
الرجل حجّة بطيئة وأنتم أجنحة دجاج يقرقر فقط
نرتجل الطاولةَ وبقليل من التصنّع نتحلق حولها
وبأصواتنا الثخينة نرمي أشياء يمكن تسميتها حطباً
في المعجزة التي نخشى أن تنطفئ في الرأس
أين ... معجزة في الرأس
مستعينةً بحروف متفخة أكتب :
المقوسة المجنونة تحلم أن تستحم بدم الجوقة
لائذة بما لا يلوذ به أحد
أثقب جبلاً من ماء خائن وأقتل أبي
مرتبكة بالدم أمضي إلى نفسي.
هذه المبعوثة من نطفة فسيحة يضيق وجهها
ومجاهيلُ صغيرة تقضم أصابعها
تنحرف عن نسغها وتطير.
بأيدينا نرتجل الدائرة ثم نتكوّر على حافة خط مستقيم
أنتم هللوا لي أنا القمر الأجرب الذي يتدحرج
على سجادة سوداء ..
مصطحبة صقيعي وبالونات مجاهدتي..
كسيحة كالزمن أزحف لمواطنكم المهجورة
بأيدينا.. بأيديكم بقليل من أعضاء النهاية
نقصد الأغطية
وطاولات تورّطت بالشكل
نستدير مثل الملائكة؟؟
نبتسم لكم نكوّر السذاجة.. نهّرج للمكان
المقوّسة
الوحيدة
ترقب ظهرها في مرآة السماء

-24-
يفقأ الجرس
يخبط الباب بيديه ..
بقدميه
برأسه
لا أفتح له
أقول : ريح وعبرتْ
بعد قليل يقول الجيران :
انظروا هذه المجنونة
تعدو حافية وراء لا أحد

-25-
الليل حصاني
لكن عندما أمتطيه
لا يصهل صهيلاً مشرّفاً
كما يجب
وإنما يرميني
من على ظهره
وبأنفة قلّ مثيلها
يلتهم حشيش الضوء

-26-
مايصمّ أذنيّ
قرقعة أحلامك
تجمّدْ على صدري
العالم
كلب
مات

-27-
رجل
موجز رجل
قوس قزح
يقعي وسط الغرفة
كطاووس

-28-
أنا البنت التي هربت
من لوحة عتيقة
ملأى بالصيادين والكلاب
إلى أين سأكبر؟
دامعة سألت القصيدة

-29-
الحزن باب
الفرح نافذة
وثمة شاعرة صغيرة
بيديها الواهنتين
تجرّ عتبة برتقالية
إلى القصيدة

-30-
ماأطول الشتاء
هكذا قالت شجرة التفاح
ما
أطول الزمن
هكذا قالت شجرة الزيتون
الأرض لا تقول شيئاً
من رآها قشاً يحترق

-31-
لا شيء يعني شيئاً
الحياة شخير النسيان
واللغة ليست أكثر
من حظ سيء
يبلعط في رأس خاوية
وأنا.. أول كلمة
تخطر في بالك
يا قارئ

-32-
أمي ليس عندها كلب
ولم تفكر بذلك أبداً
كلب تجرّه صباحاً
وتزيّن عنقه بطوق جميل
وتفرح بذكائه وانصياعه
أنا متأكدة
أمي لا تحب الكلاب
لكن ها أنا أذكر
كيف كانت تجرني وراءها
وكيف كانت تعوي داخلي
رغبة بالفرار
الآن وبعد كل هذه الأيام
وأنا أجرّ ذاكرة بطيئة ورائي
أستطيع أن أفلت الحبل
أنا مثل أمي لا أحب الكلاب

-33-
مازلت تلك المراهقة
التي تذهب بعيداً
ثم تعود لترى الدنيا كما هي
البيت خطأ واضح
الطريق إلى البرية
مقفر عبر القصيدة
مع هذا الكلمة شجرة
الفاصلة حجر
المعنى نهر
والنقطة الأخيرة
حيوان ميت

-34-
هذه الزاوية للكتب
التي لن تقرأ أبداً
وهذه المساميرعلى الحائط
لأيقونات النعاس
هذه الأريكة لضيوف البياض
هذه الطاولة
لبقعة الفزع المنسربة من الشبّاك
هذه الأوراق لموت المخيلة
أما ما هو زائد فعلا ً
تلك المرأة
التي تدلّ على مستقبلها
من فوق الأشياء
بوساطة جسد مهترئ

-35-
أترك الحنفيّة مفتوحة
في الليل
كي
أموّه ضجّة الفرح
المتسلل إلى غرفتي
و.. كي يقتنع أبي
أنه ليس ثمة غريب
في البيت

-36-
كل صباح
أتأكد من موتي
ليس في الحرب
في المجاعة
في السجون
وساحات الاغتيال
ليس بسبب من الزلازل
والطوفانات وسقوط الطائرات
إلخ.... إلخ
فقط
لأني عندما أمدّ يدي
على الطرف الآخر من السرير
لا أجدكَ

-37-
لو فتحتُ الباب
أنا متأكدة
سأرى حصاناً
وكلباً
ورجلاً ينظّف بندقيته
وعلى أول الدرج
جثتي

-38-
الجراد الذي طفرَ
من رأسك
يلتهم خسّ أحلامي
هذه استعارة سخيفة
دعني أقول بوضوح
أنت مريض
وأنا متعبة
وحدي أفهم
هذه أيضا استعارة!

-39-
ما كان عليّ أن أندفع
كالمجنونة.. إلى الشبّاك
أشرط الستارة
وأكسر الأصيص
لأنني ظننت
اني سمعت وقع خطاك
في الشارع
لكن .. فعلاً كنت محظوظة
لأنه لم يكن ثمة سوى الطقس
قد عبر ..مخلّفا وراءه
رغوة زرقاء

-40-
في آخر الرواق
وعلى سرير العتمة
رجل
يلحسُ جلد المعنى
بينما ..
في الغرفة المجاورة
امرأة
تمشّط شعر ابنتها

-41-
أعرجَ ..
تعبرُ
إلى
صوتكَ
بطني البئر

-42-
أمي تملك ثلاث جنسيات
وقلما تغادر البيت
تنزعج من أبي
عندما يغلبها الباسرة
تكره طناجر البخار
وصمتي أمام الضيوف
تسهر أمام نافذة المطبخ
وتتأمل القمر
صباحا تفتّ الخبز للعصافير
وتبكي
تحبني جداً دون أخوتي
لأنني الصغيرة ولم تكبر
المريضة ولم تصحّ
المسافرة ولم ترجع

-43-
العجوز صاحب البيت
جعل الحديقة
غرفتين إضافيتين
من قبوي أستطيع الآن
أن أطلّ على ما يسمى الحياة
وعلى ثلاث شجرات
يتقصّفن في قلبي

-44-
لو تدعوني إلى طاولتك
أيها الغريب
لو صاحب المحل
يخفّف من النظر
إلى أفكاري

-45-
تباً للمتعة
التي تجعلني مجنونة
ألملم مفاتيح سقطت
من قطعة الموسيقا
تباً للطبيب الذي أكدّ كآبتي
تباً لي
وأنا أكره غنج هذه الخسارة
في غرفة الجلوس
لأقل باقتضاب شديد
عيناي فادحتان
ويداي ترتجفان في المجلى

-46-
الحذاء المنمنم الذي أهديتني
رميته من النافذة
الكتاب ذو الغلاف الأزرق
مزقته
الخاتم المزوّرالذي اشتريناه معاً
دحرجته على السلم
كي أسمع رنين غيابكَ
حنانك ... خلعته عني
كما تُخلع الصورة عن الحائط
بضربة نزقة ... ضربة واحدة
لم يبق منك سواك
عميقاً كحجر ثقيل في بئر قلبي

-47-
أمام ترسانة الغياب هذه
بماذا سأحتمي
هل ينفعني
أن أجعل يدي
على شكل مسدّس صغير
وأطلق ما تبقّى من قلبي
في أعلى ومنتصف
صورتك الوحيدة

-48-
الغجري
ذاك الذي
ركّب لي سنّاً ذهبيةً
وهو يغني
نسيت من شدّة فرحي
أن أسأله
أين حصانه الأبيض

-49-
أبريق النعناع بارد
على حافة الشرفة
هواء يثرثر
مع صفحات الكتاب المفتوح
على الكرسي المقابل .
وأنا .... مسترخية
ألقي بقدميّ على فخذيّ الغروب
مستسلمةً لهذه الوحشة النديّة
مصدّقة .. وبغرابة شديدة
إن كل شيئ إلى زوال
ماعدا هذا المعدن
البضّ
الجسد

-50-
أريد أن أكون كما أنا
امرأة صغيرة
لا تستحي من الرقص في أعياد الميلاد
ولا من التهام البوظة في الشارع
ولا من قراءة الجريدة في المقعد الأول من الباص
ولا حتى إذا لزم الأمر من إطلاق الرصاص
على رجالات الدولة الأشرار
أريد أن أكون شاعرة على سبيل التسلية
وبقليل من الكلام
أكتب صادقة كالمجانين واضحة كالتعب
أهذي بدقة وأسمّي الأشياء
ليس كأني اخترعتها
بل كأني أستطيع أن أدفعها
لتعطّل جريان الذاكرة السوداء
أريد أن أكون كما أنا
امرأة تحزن لأنها تترهّل
وتتكسّر بحنو إذا ما سمعت موسيقا
تحب لأن الحياة باتجاه واحد
وتنام على الشاطئ لأنها موعودة بقرصان
ستأخذه معها إلى الحديقة
لتعرّفه على أصدقائها
الذين يفتّون قلوبهم لحمام لا يحطّ
أريد أن أقول دون أن يساء فهمي
أيها الرجل الطيب
لعابك في أذني جرّار التماعاتي
إلى الغيب

-51-
في الغرفة المغلقة جيداً
ستبوس المرأة جسدها
ستمرّ عليه مرور الذئب
على يوسف
ستقطّع مخيلتها
منصات رطبة
بينما مرآتها
ليست سوى صياد أعزل

-52-
لو استطعت أرسلْ لي فيئ المغسلة الفوق السطح
خفقَ جناح الحمامة الرمادية قرب شبّاك نومي
الغبارَ وفردة حذاء ابن الجيران عن لوح التوتياء
لو استطعت قل لرجل عابر
القلوب المرسومة على الحيطان المغروسة بالأسهم
أجمل من معارض نيويورك
وإذا ما هزّ رأسه احك له عن فتاة كلما ماتت
توقظها رائحة الطيّون
لو استطعت ارسل قطفة من أسرار الأولاد
الذين يتشيطنون وراء البيت
وبدلا من تقرأ كتاباً عن ما بعد الحداثة
اذهب إلى تلك القرى
واسرق لي ليمونة حامضة أو بصلة
فأنا دائخة من شدة الوحدة والخوف

-53-
أجتهدُ لأبقى
لكن
ثمة دائماً
دم ممزوج بالأبيض
يجرفني
طفل لم أنجبه
يصرخ في وجهي

-54-
أيها الرجل
في طريقي إليك
صادفتك
لكن .. من شدة لهفتي
أكملت
أيها الرجل
الذي لم يعد أكثر من فكرة
بإمكانك أن تنظر إلى نهدي
وأنا أنحني
لألملم خطواتي الفائتة

-55-
ثمة واحدة مخدوعة دائماً
واحدة ستُترك وحيدة
في الفناء المغلق
تتأمل وقتاً جافاً كالرمل
بين يديها الساهمتين
تتأمل سرباً من الغيوم
واحدة ..
تدلف إلى الداخل
لا تلوي على شيء

-56-
مثل طفلين تعانقنا
في الباص
كانت رائحتك طيبة
وكان الركاب
شيئاً
فشيئاً
يشيخون

-57-
ما تبقّى في ذاكرتي
مشيتك
التي تشبه مقص الحلاق
قبضتك البلهاء
وهي تدقّ على صدري
أصبعك يهذي فوق سرّتي
تلك الرجولة ..
الأمومة الساخطة

-58-
قال الحائط : أه
وهو ينحني على مهل
على بطن الظهيرة
كان الأب يذبح دجاجة بلدية
كانت الأم تنشر الغسيل
بينما الأولاد على الحصير
يداعبون الجروَ الأسود
قالت الشجرة الواقفة وسط الدار
الطقس ملوث بالدم
قالت العتبة : لا شيء حقيقي

-59-
ماذا تبقّى للغجري
بعدما حبسوه في المدينة
وقتلوا حصانه
وجرّدوه من خنجره
وامرأته
سوى أن يصنع حدوةً من كلام
رسناً من هواء فاسد
لأجل رأسه ( الجديد )

-60-
لم أعد طيبة
لأغفر لنفسي
ولا عاشقة
لأقطف أغنية من الراديو
ولا مجنونة
لأسابق خيول الوهم
لم أعد (أنا)
لأقول كلاماً أحبه
أنا فقاعة الصابون التي تتألم
لأنّ أحداً لا ينفخ عليها

-61-
جيبي ملآى بالمفاتيح
لكن ليس عندي بيت يخصني
لهذا نمتُ في البرية
ساعة أو اثنتين
هكذا أيقظني الفلاح
أيقظني الراعي
أيقظني الصياد
ولأنهم اختلفوا فيما بينهم
لم يغتصبوني
تمنيت لو الصاعقة قسمتهم
كلاّ على حدة نصفين
كما فعلت مع الجندي العثماني
الذي اغتصب جدتي
وهي راضية

-62-
سهرتُ يومين أشرب النبيذ
وآكل البرتقال .. وأدخن
من أجل كتابة قصيدة صغيرة
لكن ما حدث تماماً
ليس أكثر من زجاجات كثيرة
وقشور كثيرة ودخان كثير
وامرأة متعبة
لم يهرّ كرز من مخيلتها
على السرير
ولم يغطّ خيبتها عشب نديّ

-63-
جسدي قبضة
من الفراشات
لو تمضي طويلاًً
في ربيعي
سيتسنّى لك أن ترى
لكن ..
لا
أن تقطف قلبي الزهرة

-64-
سلاماً أيها الفستان المبقّع بالزيت
سلاماً أيتها الأسوارة
التي فقدت من قيمتها خمسمائة ليرة
سلاماً أيها الحذاء الصغير على الرف
ميتاً ولا تُدفن .. حيّاً ولا تمشي
سلاماً أيها الوقت
يتدلّى
من ساعة الضجر كلسان كلب
سلاماً يا زرّ الجسد الذي فقع ..
كرج..
ضاع
وترك المرأة
مشرعةً دون أحد

-65-
كلما فتحتُ الخزانة
تهرّ
عن
فساتيني المعلّقة
الأجسادُ
التي
ارتديتُ
والتي تشي برائحتك
أيها الوقت
ناقصاً رجلا

-66-
وأنا ذاهبة إليك
أصادفك كثيراً
لهذا أتأخّر عنك
من البيت
إلى موقف الباص
خمسون متراً
خمسون ( أنت ) فقط
هوّة تاريخ
عمرها أكثر من ألف عام
لماذا عليّ أن أصل إليك
مـ ر هـ قـ ة
نصف ميتة

-67-
لا تخبط الطاولة
كجنرال
مرّ عليها بلطف
أعدها الى أصلها
لا تخبط على قلبي
سيقتلكَ ضحايا كثيرون

-68-
كان ينام معي .
من وراء الحائط
كنت أختلس النظر
لو تجرّأتُ
لرأيتُ المشهدَ كاملا ً
لوصلتُ إلى الأقصى

-69-
غيوم من الذباب
حول سريري
أنا المريضة
التي
تحلم بحلاوة الموت
برجل يقشّر لها الفستق
في شتاء شارد

-70-
لا شيء
سوى غلالات
غلالات
يزيحها على مهل
مواء القطط
في هذا الليل البعيد
سوى
رجل انتهى
من امرأة

-71-
النهد
الممتلئ
اللامع
في
قاع
القصيدة
لمبةُ
موت

-72-
أحرس ضلالاتك
ولأنني لا أستطيع قولها.
بغنج حزين
أرتب ياقتك المقلوبة
وأخلط دمعي
بحفيف ذاكرتك المكتوم

-73-
الريح التي تمزّق نفسها
قرب الباب
تعصف بأشلائي
أنا الممزقة في الداخل
المطر الذي يتداعى
على بعضه
مثل حيوان خرافي مجروح
يبللني
أنا المحتضرة على السرير
لو كنت معي
لما احتجتُ لهذا الوصف الرديء

-74-
ليكن أنه أحسست ضجّة موتى يُبعثون
أو ضجّة سوق
أو ضجّة الجدل بعد حرب
أو ضجة الكوابيس في رأس امرأة ضائعة
أوضجة الأرواح في كتاب مسكون
أوضجة كون أو ضجة بالوعة
أو ضجة أي شيء
يتمزّق من الخوف
وليكن ... اني
وليكن الصمت
صمت امرأة تحتاج غيمة
لتزرّر ذاكرتها

-75-
هل هذا
ما يجب أن يحدث
المكان ينثقب
وأنت تنزلقين
إلى
القعر
مثل قطعة ثلج
ثم "هوب"
ويلحق بك العالم
لكن دون أشياء

-76-
ستسقط النوافذ
واحدة
تلوى
الأخرى
ما سيبقى
مبنى الريح
بطوابقه الألف

-77-
أذكر تلك المابعد الظيهرات
المرشوشة بالماء
في الممر إلى غرفتك
التي تشبه غرفة انتظار
في عيادة ريفية
أقصد
....أشمّ حاجتي لفكرة وجودك
تنبت هنا على الكنبة المخلّعة
في ذاكرتي
الكنبة التي لا تحتاج إلى تصليح
لأنها لعابرين
أذكر ... أشمّ
انك أكثر من اسم أقلّ من جسد

-78-
أكره جميع أصدقائي
وما شابه
أحتقر العائلة والمؤسسة
و..... و ... إلى آخره
لهذا أنا الخائفة
التي لم تنتحر حتى الآن
أكتب شعراً واطئاً
سيقفز فوقه القراء
بابتسامات عرجاء

-79-
أدفش الباب
كرجل يدفش زوجته
لو ثمة نافذة
لفتحتها
كما طفل
يفتح سحّاب بنطاله .
الغرفة.. فكرة متورّمة
كومة عراء صدئة
صفقة جناح
في اللغة

-80-
عجوزاً خرفاء
هذه الخسارة أصبحت
لا تكفّ عن الثرثرة
والشتائم
تكشّ وقتي بعصاها
أنظف ثيابها من الخراء
أطعمها بيدي
أحملها إلى السرير
لا تتعرّفني
أنا ابنتها اليتيمة
إلى متى سأرعاها

-81-
لو أهرب من الماضي
كما هربت من البيت
ما أقسى أني دائماً
في مكان ليس لي .
هنا .. حيث أنا الآن
يوجد أقنعة كثيرة
لكن ..
ما أقسى أنه عندما
أهمُّ بالخروج
دائماً أرتدي القناع الخطأ

-82-
أعرف .. كل شيء انتهى
لكن من أين لي أن أستعير ملاكاً
ليطرد بجناحيه هذه الهالة حول قلبي
هل يخطر لك أيها الميت ما الذي يحدث لي
أشيلك من الأغاني لأصفعك ومن الكتب لأقبلك
أنام لأنني تعبت من التفكبر بك
أبكي لأنني استيقظت لأحاول نسيانك
أكره أن لي نهدين ينتفضان
كلما مرّ الكلام بشاحنته السوداء
وأنزلَ كل ركّابه ما عداك
ما جدوى إن كانت رسائلي تصلك أم لا
ما جدوى أنني أخترعك كل ليلة
أرتب الشرشف فوق جسدك
أمسح على شعرك بعدما تكون قد نمتَ
دون أن تكمل لي حكاية الراعي الذي فتّق غيمتين
ليطلق عصفوراً غريباً
ما جدوى أنني أسمّي بكائي ندى وصوتك شجرة
كم أنت لئيم وكم أنا حمقاء
كم سأخطئ وأنا خارجة من الحمّام إلى الحيرة
يا حبيبي لم تعد لشعري رائحة مناماتك
ولا لأرانب صوتي تلك العصبية الزرقاء
بقي لي كرسي وبعض الأزرار التي لن تتفتح عن شيء
ومظلة مفتوحة على عتبة القصيدة منذ الشتاء الفائت
يا حبيبي لماذا كلّما أهمّ بكتابتك
يقتحم عليّ قطيع من الموتى تقودهم أنتَ الملك الأعمى
أعرف ثمة أشياء كثيرة لا يمكن لها أن تنتهي
أعرف كل شيء انتهى

-83-
البنت في الخارج
على العتبة
تتأمل شجرة التين
في الحديقة المجاورة
البنت في الداخل
على كرسي في المطبخ
تغزل قطرات الماء
الراشحة
من
الخزان
البنت على السرير
غيمة من الغبار
تنزّ أرواحاً رطبة

-84-
ثمة أكثر من امرأة
تحت ثيابي
لكنّ رجلاً واحداً
قبالتي
يأكل لحم مخيلتي

-85-
كلهم أعداء
الموتى
والذين سيولدون
الذين ينقصون ويتتكررون بكثرة
الذين يجعلونني أقلع عن فكرة الانتحار
وأصرف جهداً مهولاً بالاعتناء بأقنعتي
كي أحافظ على جثتي بينهم
الأعداء .... الأعداء
الذين أودّ قتلهم لأنني لا أستطيع نسيانهم
الذين أبادلهم التحية
الذين أفكّر بإرضائهم
أهلي في هذا الكوكب الصغير

-86-
فقط لم يبق منك
سوى رائحتك
في
محرمة مجعلكة

-87-
سبحانك
أيها الجسد
في أزلك الناقص
محمياً من الجنة هناك

-88-
ليس الكلب المرتجف خوفاً
تحت المطر
الأجرب .. المطرود
على حدّ الغابة
بعيدا عن البيوت
الوحيد على باب المزرعة
الحزين .. الذي أفلت الحجل
إنه الكلب
الكلب
في نظرتك أيها الحارس
هل أقولها؟
أيها .. أيها .. القارئ

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.